محمد بن وليد الطرطوشي

235

سراج الملوك

وقيل لرجل من بنى عبس : ما أكثر صوابكم يا بني عبس ! فقال : نحن ألف رجل ، وفينا حازم واحد ونحن نطيعه ، فكأنّا ألف حازم . وكان ابن هبيرة « 1 » أمير البصرة يقول : اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصّة نفسه ، والانحطاط في هوى مستشيره . وفي حكم الهند : من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة ، ومن الأطباء عند المرض ، ومن الفقهاء عند الشّبه ، أخطأ الرأي ، وازداد مرضا ، وحمل الوزر . وقال الحكماء : لا تشاور معلّما ، ولا راعي غنم ، ولا كثير القعود مع النساء ، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها ، ولا خائفا ولا من يرهقه أحد السّبيلين « 2 » . وقالوا : لا رأي لحانق ، ولا لحازق ، ولا لحارق ، ولا لحاقب ، ولا تشاور من لا دقيق عنده . ( والحازق : هو الذي ضغطه الخفّ الضيّق . والحاقب : هو الذي يجد في بطنه ثقلا ) . وقالوا : من شكا إلى عاجز أعاره عجزه ، وأمدّه من جزعه . ومن لطيف ما جرى في الاستشارة : أن زياد بن عبيد اللّه الحارثي « 3 » استشار عبيد الله بن عمر « 4 » ، في أخيه أبي بكر أن يولّيه القضاء ، فأشار به ، فبعث إلى أبي بكر ، فامتنع عليه ، فبعث زياد إلى عبيد اللّه يستعين على أبي بكر ، فقال أبو بكر لعبيد اللّه : أنشدك اللّه ، أترى لي القضاء ؟ قال : اللّهمّ لا . قال زياد : سبحان اللّه ، ، استشرتك فأشرت علي به ، ثم أسمعك تنهاه ! فقال : أيّها الأمير : استشرتني فاجتهدت لك الرأي ونصحتك ونصحت للمسلمين ، واستشارنى فاجتهدت له رأيي ونصحته .

--> ( 1 ) عمر بن هبيرة بن سعد الفزاري : أمير من الدهاة الشجعان ، شارك الحجاج في قتال مناوئي الأمويين وفي عهد عمر بن عبد العزيز ولي الجزيرة وغزا الروم في أرمينية وهزمهم ، ثم ولاه يزيد بن عبد الملك على العراق وخراسان ثم عزله هشام بن عبد الملك وولى خالد القسري مكانه فقام بحبس ابن هبيرة ولكن تمكن من الهرب من السجن وذهب إلى الشام واستجار بمسلمة بن عبد الملك الذي كان واسطته عند هشام الذي رضي عنه وأمنه توفي سنة 110 ه . ( الأعلام 5 / 68 ) . ( 2 ) السبيلين : مخرج البول والغائط . ( 3 ) زياد بن عبيد اللّه الحارثي : خال أبو العباس السفاح فقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ضمن أحداث سنة 133 ه وذكر تولية السفاح له على الحجاز ومات سنة 150 ه . ( 4 ) عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة بالمدينة توفي سنة 147 ه .